لضمان توفر الماء الكافي لمحاصيلهم، فإن قدماء المصريين توصلوا إلى الوسائل التي أمكن لهم بها التعامل مع الفيضان الموسمي الذي استغرق نحو ستة أشهر؛ تصبح الأراضي الزراعية خلالها مغمورة تماما بالمياه. ولهذا حفر الفلاحون قنوات الري وأنشأوا أحواض التخزين التي أقيمت عن طريق بناء سدود صغيرة؛ من أجل إيصال المياه إلى الأراضي البعيدة والعالية التي لا تبلغها مياه الفيضان. كما أنهم كانوا ينقلون الماء في دلوين؛ يتدليان من نير محمول على الكتفين. وقد اخترع الشادوف، لنفس الغرض، في عصر الدولة الحديثة. ويتكون الشادوف من سارية خشبية طويلة تتزن على عمود أو قائم رأسي، أو تعلق في إطار خشبي. ويمكن للشادوف أن يتحرك محوريا إلى أعلى وأسفل؛ أو من جانب إلى جانب. وفي استخدامه؛ يسحب العامل السارية إلى أسفل، لكي يمتلئ الدلو بالماء: فيرفعه ثقل الاتزان تلقائيا إلى حيث يمكن للعامل إفراغه في قناة الري. وقد ساعد ذلك على ري الأراضي المرتفعة؛ مما أسهم في زيادة محصول الغلال. والساقية أداة أخرى من أدوات الري في مصر القديمة؛ وتتكون من عدد كبير من أوعية صغيرة مثبتة في دولاب مستدير (عجلة) مرتبط بفرع ربطت فيه بقرة (دابة) تدير الفرع الذي يدير الدولاب (العجلة): بدوره. واستمر استخدام الساقية في العصر البطلمي، ثم طورت من بعد ذلك خلال عصور حكم خلفاء وولاة المسلمين. وأثناء إقامته بالإسكندرية، اخترع العالم اليوناني أرشميدس آلة الطنبور؛ وهي تعرف أيضا تحت اسم "حلزون أرشميدس". ويتكون الطنبور من حلزون خشبي محاط بقرص مشقوب (مشقوق). وعندما يوضع الجزء السفلي في الماء ويدار الطنبور؛ فإن الحلزون يتسبب في رفع الماء إلى مناسيب أعلى. وكانت جباية الضرائب على المحاصيل في العصر البطلمي، بموجب أمر الولاة؛ على أساس مناسيب الفيضان. ولتحديد تلك المناسيب، استخدم المسئولون أداة محمولة عرفت باسم "مقياس النيل"؛ وربما كان عصا طويلة من البوص (الغاب) خدشت عليها العلامات الدالة للمناسيب المختلفة. وقد شيدت المعابد التي زودت بمقاييس النيل، عند مواقع على طول النهر. وبعد فتح المسلمين لمصر، أقام الملوك والسلاطين مشروعات عديدة؛ لحفر الترع والقنوات والسدود؛ من أجل إيصال ماء النيل: للاستخدام في أغراض الزراعة والشرب. وعندما بنى السلطان صلاح الدين الأيوبي الأسوار حول القاهرة؛ استخدمت الأسطح كقنوات للمياه. ونقلت المياه من تلك القنوات، عبر أنابيب الفخار، لإمداد المساكن بالمياه التي وزعت على المطابخ والحمامات والأحواض. وأقام السلطان الناصر محمد بن قلاوون قناة تحمل كميات كبيرة من المياه المتدفقة، وأربعا من السواقي. وكانت وظيفة السقا من الوظائف الهامة في عصر الخلفاء والولاة المسلمين بمصر. وكان السقاء الشخص المسئول عن نقل المياه من الخزانات؛ إلى المساجد والمدارس وأسبلة الشرب العامة. وكما كان الحال مع الولاة في العصر اليوناني-الروماني، فإن الولاة المسلمين أيضا قرروا تقييم الضرائب المحصلة من الفلاحين: على أساس منسوب فيضان النيل. كما أنهم استخدموا مقياس النيل، وعينوا لذلك في جزيرة الروضة موظفا مكلفا بتسجيل منسوب المياه يوميا، وفق قراءة مقياس النيل بالجزيرة. |